بانوراما

المهنة… “طبال” أو “دقاق” رمضان

أطلس توداي: لطيفة بجو

شاب في منتصف الثلاثينات من عمره. يرتدي زيا مغربيا تقليديا بامتياز، يتكون من جابادور وجلباب من “السوسدي” وسروال “قندريسة” وبَلغة صفراء وطربوش أحمر. يتدلى من أعلى كتفه الأيمن حزام علقت في نهايته طبلة بلغت فخده الأيسر، ويحمل في كلتا يديه عصا يضرب بها ضربات متناغمة على طبله، وهو يصيح بين الحين والآخر: ” يا عباد الله، حان وقت الفطور”، أو ” يا عباد الله، حان وقت السحور” ، حسب وقت مروره.

إنه “طبال رمضان”، كما يطلق عليه من يعرفونه من أهل الحي. شخصيا، اعتدت رؤيته يمر طيلة أيام رمضان في الشارع الذي أقطن فيه، منذ أزيد من سبع سنوات، يوقظ الناس للسحور أو يخبرهم بدنو موعد الإفطار نهارا. لم يفوت رمضانا واحدا، ولم يغب يوما عن موعده طيلة هذه السنوات.

سألت عنه، فعلمت أنه يقوم بهذا العمل حبا فيه، مذ كان في العشرين من عمره. كان طالبا في مركز للتكوين المهني عندما قرر حمل هذا الطبل وجَوب الشوارع والدروب. والآن وقد أصبح تقنيا كهربائيا ورب أسرة، فإنه لا يزال يقطع يوميا مسافة 15 كيلومترا تقريبا. يبدأ جولته ساعتين قبل الإفطار أو السحور، تراه يمشي بخطى سريعة وهو يضرب فوق طبله، مرددا نفس الجملة. لا يتوقف إلا إذا اعترض طريقه مواطن ليقدم له صدقة، أو إذا ناداه أحدهم من أعلى نافذة أو شرفة ليلقي إليه بما جادت به يده. له أيضا حصة من زكاة فطر الكثيرين من ساكنة الدروب والشوارع التي يمر منها، اعترافا منهم بالخدمة التي يقوم بها، وإن كان دوره قد أصبح حاليا ثانويا، أو بالأحرى متجاوزا؛ فلم يعد أحد يعول عليه من أجل الاستيقاظ للسحور، منذ غزت التكنولوجيات الحديثة حياتنا.

مهنة طبال رمضان ليست مهنة بالمعنى المتعارف عليه، بقدر ما هو طقس من طقوس رمضان التي عرفناها وتوارثتها الأجيال، أبا عن جد. هو عمل موسمي يقوم به البعض تطوعا بغرض الحصول على دعوات المواطنين أكثر منه على دريهماتهم. فما يجنيه هذا الطبال قليل جدا مقارنة بالمجهود البدني الذي يقوم به، خصوصا خلال السنوات التي يتصادف فيها شهر الصيام والفترة الباردة من السنة. مهنة الطبال من المهن التي ستندثر بعد سنوات قليلة، خصوصا وأن المواطن لم يعد، كما أسلفنا، في حاجة لسماع قرع الطبل أو لأن يطرق أحدهم باب منزله، كي يعرف أن وقت السحور قد حان.

بالرغم من كل ذلك، فإن بعض المواطنين يحرصون على الحفاظ على مهنة “طبال رمضان” أو “الدقاق” كما يطلق عليه سكان منطقة الشمال ببلادنا العزيزة. فهي من تقاليدنا الشعبية القديمة التي نحتفظ لها في مخيلتنا بذكريات جميلة، وكثيرون يأملون في أن تمر للأجيال القادمة بالرغم من التحولات الكثيرة التي طرأت على المجتمع المغربي، وهو الشيء الذي تصبح معه مهمة توريثها لأبنائنا حلما ربما صعب التحقق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى